حكاية الجنابيين والبئر

عودة

يتردد في اوساط العشائر الزبيدية, وفي القصص المروية والاشعار الموروثة, حكايات كثيرة عن وقائع وحروب وغزوات وقعت بين عشائر اعالي الفرات – والاحلاف الزبيدية خاصة – مع دويلات وامارات في مناطق بلاد الشام وامارات حلب خاصة.

بعض من هذه الروايات تروي احداث معارك جرى فيها سبي نساء (حرائر) من عشيرة زبيدية في منطقة الكرابله  في أعالي الفرات حوالي القرن العاشر او الحادي عشر الميلادي من قبل غزاة من امارة حلب. وان احدى النساء ارادت ان تستنجد باعمامها فربطت قصيدة (القصيدة تتداولها عشائر اعالي الفرات) بضرع ناقة اصيلة كانت سبيت معهن من ديارهن. ووصلت الناقة مبتغاها وعرفت عشائر زبيد بالمطلوب وتنادت للقيام بحملة لتحرير السبايا.

وكان من بين من لبى النداء محمد جد الجنابيين وثامر جد الدليم وجبر جد الجبور, ولربما اخرين من فرسان احلاف زبيد.

وتذكر الروايات ان محمد(جد الجنابيين) اخفى البئر الذي تتزود منه الحملة لحرمان اولاد عمومته من المشاركة في الغزو.

ورغم ان محمد (كما تروي القصص) قد غزى لوحده او بثله من جماعته ونجح في تحرير السبايا, الا ان اولاد عمومته من زبيد غضبوا منه لانه حرمهم من ماء البئر, مما أدى الى تعذر مشاركتهم في الحملة وكسب شرف تحرير السبايا. والرواية  تدعي ان كبار زبيد (جنبوا) محمد لفعلته, وسمي ابنائه من بعده بالجنابيين.ويتندر ابناء العشائر الزبيدية الى اليوم بحكاية البئر وقيام محمد بحرمان اخوانه وابناء عمومته من الماء. وتذكر الروايات مقولة تتكرر في الامثلة على فعلة محمد بحرمان اخوته من ماء البئر بالقول (جكاك عينه وكف بالباب) ومن غير الواضح علاقة هذه المقولة بحادثة البئر.  ويورد بعض المؤرخين المحدثين ومنهم المعاضيدي في كتابه عن عشائر اعالي الفرات, هذه الحادثة ويصفونها بواقعة الكرابلة , او واقعة البئر.

وتثبت الوقائع التاريخية عدم امكانية حدوث هذه الواقعة لمحمد جد الجنابيين في العراق,رغم وجود الكثير من الدلائل على كثرة الغزوات والحوادث التي خاضها تحالف زبيد الصغرى (الجنابيين , الدليم , الجبور , العزه , العبيد) في اعالي الفرات وخاصة في فترة انهيار الحكم العباسي وبداية الحكم العثماني . الا ان احتساب الاعمار والانساب يجعل من المستحيل تزامن وجود محمد مع ثامر وجبر خاصة.

اذ ان سلسلة اجداد الدليم وصولاً الى ثامراطول بمئات السنين من فترة حياة محمد جد الجنابيين. والتواريخ المختلفة لامارة جبر تجعله اقدم بكثير من فترة حياة محمد وثامر.

كما ان تسمية ابناء محمد بالجنابيين تسبق وجود محمد بن علي بن عكاب بكثير. فهم فرع من العشائر الكلبية التي تتداول اسم جناب والجنابيين على مر العصور منذ ما قبل الاسلام.

ولو نظرنا الى الرواية (الاسطورة) قليلاً, لوجدنا ان فيها فخر للجنابيين وليس عار. اذ ان محمد اراد ان يتفرد بالفخر والسبق في الفخر واسترجاع السبايا وهذا مجد للجنابيين وجدهم وليس عار عليهم.

ويختلط في الروايات والاشعار الخيال بالواقع وينسج الرواة قصصاً متجددة من احداث موغله في القدم, كما يحدث لقصص الطوفان ونوح منذ ان وردت في ملحمة كلكامش قبل خمسة الاف سنة والى يومنا هذا.

ولربما يكون اصل رواية البئر ما ورد في "مروج الذهب" للمسعودي ان زهير ابن جناب ولي امر السقاية على طريق  الحج قبل الاسلام. وتواطأت بكر وتغلب عليه لانه حرمهم من ورد الابار على هذا الطريق ,فباغتوه ليلاً وطعنوه برمح اخترق جسمه ونبت في الارض, وتركوه باعتبار انه قد هلك بهذه الطعنة. وجاءت كلب واستأذنت بكر وتغلب لدفن سيدهم زهير. وحملوه وهو لا يزال حياً, وعاش ليعود الكره وينتقم من بكر وتغلب.

وهنا يرد الى الاذهان ذكر الرمح في مقولة (جكاك عينه وكف بالباب) اي ان حامل الرمح يتربص به ليطعنه.والغالب ان الاساطير تتناقل حكاية زهير بن جناب, وتربطها بغروة محمد بن علي بن عكاب في احد غزوات زبيد في اعالي الفرات.



فقد اضحى لحي بني جناب 
                         فضاء الارض والماء والرواء
(من شعر زهير بن جناب)


التالي
السابق
الموقع الرسمي لعشيرة الجنابيين – جميع الحقوق محفوظة